تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١٧٧ - الفائدة الثالثة
السموات و الأرض، إذ كما أن الكرسي بطبيعته الجسميّة المحددة للأمكنة و الأزمنة محيط بما في داخله- لا كمجرد إحاطة الظرف بالمظروف محددا كان المكان المحاط عليه أم لا، بل بأن لا يتعيّن للمحاط عليه مكان أو حيّز أو وضع أو ما شئت فسمّه إلا بسبب طبيعة جسميّة بخصوصها- فكذلك بحقيقته العقليّة و النفسيّة و روحه و قلبه الذي هو مستوى الرحمن مؤثرة فيما دونها من النفوس و الطبائع الفلكيّة و العنصرية و ملكوت العالم السفلى- من الجماد و النبات و الحيوان- و لذلك تنبعث الأرزاق و الآجال من هناك و ترتفع الدعوات لطلب الحاجات إلى ذاك، فأراد أن يشير إلى أن ذلك لا يشق عليه و لا ينوء به فقال: وَ لا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما.
أي: لا يتعب الكرسي و لا يشقّ على ظاهر حقيقته و باطن قلبه حفظ أجسام السموات و الأرض و حفظ نفوسها و طبائعها و صورها- إن كان الضمير راجعا إلى «الكرسي».
أو لا يتعبه تعالى حفظهما بالكرسي على الوجه المذكور- إن كان الضمير راجعا إليه سبحانه- كما لا يؤد الروح الإنساني حفظ أسرار السموات و الأرض و معانيها التي أودعها اللّه في السر الإنساني بقوله تعالى: وَ عَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها [٢/ ٣١].
و تحقيق هذا المطلب يحتاج إلى مزيد تقرير له ليظهر لك بالبرهان كيفية دوام الممكن بدوام علّته الفيّاضة من غير تعب و ملال و أودة و كلال، و هذا هو الذي وعدناه آنفا، فاستمع و عه.
الفائدة الثالثة
اعلم أن للحق تعالى أسماء و صفات، و لكل منهما مجالي و مظاهر في كل